وفاء على أربع أقدام.. حكاية ريتا التي سبقت نجيب الريحاني للرحيل

كانت «ريتا» أكثر من مجرد كلبة في حياة نجيب الريحاني؛ كانت ابنةً لم ينجبها، وصديقةً لم تخذله، ورفيقة دربٍ عوّضته عن قسوة البشر. هكذا وصفها الريحاني بنفسه في مقال نادر نشرته صحيفة «اللطائف المصورة»، مقال بالغ التأثير، لا يقرأه المرء إلا ويشعر أنه اعتراف أخير من فنان أنهكته الحياة. والمفارقة المؤلمة أن الريحاني رحل عن الدنيا بعد وفاة «ريتا» بثلاثة أيام فقط، وكأن القلب الذي اعتاد وجودها لم يحتمل الغياب.

 

في ذلك المقال، كتب الريحاني كلمات تكشف جانبًا إنسانيًا بالغ الرقة من شخصية طالما عرفها الناس عبر الضحك والسخرية. قال إن «ريتا» هي الأنثى الوحيدة التي عرفت معنى الوفاء والإخلاص الحقيقي، لأنها الأقرب إلى قلبه والأصدق في مشاعرها. لم يكن يراها حيوانًا أليفًا فحسب، بل كائنًا يفهمه دون شرح، يتحدث إليه فيصغي، ويشاركه وحدته في البيت، وخطواته في الشارع، وحتى عمله على خشبة المسرح.

 

ويضيف الريحاني أن كلبته كانت «زميلته» في التمثيل، لا تتأخر عن موعد، ولا تخطئ الدور، ولا تحتاج إلى إعادة مشهد. بسخرية حزينة، يذكر أنها الممثلة الوحيدة التي أبقاها من فرقته، في إشارة إلى خيباته المتكررة مع البشر. وحين اضطر للسفر إلى لبنان، كانت تلك المرة الأولى التي يفارقها فيها، فمرضت من شدة الحزن. ويقول إنه كان يراها في منامه كثيرًا، وحين عاد، فوجئ بها تقف بعيدًا عنه، بعينين دامعتين، كأنها تعاتبه على خيانته للعيش والملح.

 

ولم تتوقف الحكاية عند هذا الحد. ففي الأيام الأخيرة من حياتها، لم يكن الريحاني يتركها لحظة واحدة، معتبرًا أنها تعيش حدادًا على كلب آخر كان بمثابة «ابنها»، واصفًا إياه بروح الدعابة التي لم تفارقه حتى في حزنه. ونشر صورًا تجمعه بـ«ريتا»، وكتب تحت إحداها تعليقًا ساخرًا: «بارعة في تطفيش الزائرين غير المرغوب فيهم».

 

الأكثر غرابة أن الريحاني، الذي ودّع كلبته بمقال مؤثر، كتب نعيه بنفسه قبل وفاته بخمسة عشر يومًا فقط. نعي ساخر، لاذع، صادق، كعادته، أعلن فيه موت رجل اشتكى منه «طوب الأرض وطوب السماء»، رجل لم يعرف إلا الصراحة في زمن النفاق.

 

نجيب الريحاني، واسمه الحقيقي نجيب إلياس ريحانة، وُلد عام 1889 في باب الشعرية، وكان أحد أعمدة الكوميديا الساخرة في مصر، ومؤسس فرقة «كشكش بيه». تزوج من بديعة مصابني ثم انفصل عنها، وتزوج لاحقًا من سيدة ألمانية أنجب منها ابنته «جينا». وفي أيامه الأخيرة، أصيب بالتيفود، ورحل في 8 يونيو 1949 بالمستشفى اليوناني بالعباسية، قبل أن يُكمل تصوير فيلمه الأخير «غزل البنات».

 

رحل الريحاني بعد «ريتا» بثلاثة أيام، وكأن الضحك الذي وهبه للناس عمرًا كاملًا، كان يستند في سرّه إلى قلب صغير نابض بالوفاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى